أحمد بن محمد الشافعي الشاذلي
137
المفاخر العلية في المآثر الشاذلية
واعلم أن الإكثار من الصمت والاعتزال ضرورة ليس بشرط ، فلا يتكلم إلا فيما يعنيه ، ولا يختلط إلا بمن يتعاون به على التقوى . واعلم أن كل واحد من هذه الأربعة يدفع عنك عدوا ، فالشيطان سلاحه الشبع ، وسجنه الجوع والهوى ، وسلاحه الكلام ، وسجنه الصمت ، والدنيا سلاحها لقاء الخلق ، وسجنها العزلة ، والنفس سلاحها النوم ، وسجنها السهر . واعلم أن الإفراط من الجوع مضر بالفكرة ، والإفراط من الصمت مضر بالحكمة ، والإفراط من السهر مؤذ للحواس ، والإفراط من اعتزال الخلق يؤدي إلى الاختلاط ، لكن خير الأمور أوساطها ، وهو مع ذلك يجاهد نفسه إلى التنصل من الأخلاق الذميمة ، من العجب والكبر والحسد والشح وجميع ما كرهته من غيرك ، بخلاف النفس ومدافعتها إذا أردت ارتكاب شيء من ذلك والتخلق بالأخلاق الحميدة من التواضع والكرم وما أحببته من غيرك ، فإذا تركت النفس الأخلاق المذمومة ، وتخلقت بالأخلاق المحمودة ، وتوجهت إلى ما وجهها إليه من غير تكلف ولا مدافعة منها في ذلك ، فحينئذ قد مالت إلى الزوال ، وآن لها التقريب من حضرة القريب المجيب ، وإنما مرتبة التقريب هو أن يدخل السالك إلى الخلوة ، ويداوم على الذكر ، ولا يتركه ساعة حتى يصير الذكر له بمثابة النفس يجري من غير اختيار ولا قصد ولو صمت اللسان ، ثم تأخذه القوة النفسانية من طريق العادة والطبع فتنصبغ به انصباغا لا يمكنها الانفكاك عنه ، ثم تجوهر به القلب فصار يجري بالذكر وإن صمت اللسان ، وكان له ذلك بمثابة جري الغذاء في الأجسام بحيث يسري سريانا لا يتفطن له وتوجد به قوة لا يعرف وجهها غير أنه إن فقده وجد أثره ، فعلم سريانه ونفعه بذلك ، فإذا حصل له ذلك اتسعت ميادين أنواره ومرافق أسراره فبدأه من نور الحق ما كشف له الوجود وذلك نتيجة إفراد وجهته . وحاصل هذا الموقف أن يطلع على مخبآت الغيوب على حسب قوته وبقدر استعداده فإما من طريق الفراسة والتخييل ، وإما من طريق الكشف ، لأن قلبه صار مرآة والوجود محاذ له أبدا ، غير أنه لإعراضه عن صورته لا تعرض له وقد تعرض عليه فيعرض عنها ، أو لتوجهه لمخبآتها تعرض عليه مغيباته فيدرك العلوم عند الناس على حقيقة دون احتياج إلى قليل ، والمجهول عندهم على الحقيقة من غير احتياج إلى برهان سواء تشكل له في عالم التصوير أو